أبو علي سينا
218
الإشارات والتنبيهات ( شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي ) ( نشر الكتاب )
وما يجري مجرى المجربات الحدسيات وهي قضايا مبدأ الحكم بها حدس من النفس قوي جدا فزال معه الشك ، وأذعن له الذهن فلو أن جاحدا جحد ذلك ، لأنه لم يتول الاعتبار الموجب لقوة ذلك الحدس ، أو على سبيل المذاكرة لم يتأت أن تحقق له ما تحقق عند الحادس مثل قضائنا بأن نور القمر من نور الشمس لهيئات تشكل النور فيه وفيها أيضا قوة قياسية وهي شديدة المناسبة للمجربات أقول : هي جارية مجرى المجربات في الأمرين المذكورين أعني تكرار المشاهدة ومقارنة القياس [ 1 ] إلا أن السبب في المجربات معلومة السببية غير معلوم الماهية ، وفي الحدسيات معلوم بالوجهين ، وإنما توقف عليه بالحدس لا بالفكر فإن المعلوم بالفكر هو العلم النظري فليس من المبادئ ، وسيأتي الفرق بين الفكر والحدس في النمط الثالث ، ولما كان السبب غير معلوم في المجربات إلا من جهة السببية فقط كان القياس المقارن لجميع المجربات قياسا واحدا ، والمقارن للحدسيات لا يكون كذلك فإنها أقيسة مختلفة حسب اختلاف العلل في ماهيتها ، والحدسيات أيضا يختلف بالقياس إلى الأشخاص كالمجربات ولا يمكن إثباته لغير الحادس ولذلك يعد من المبادئ . قوله : وكذلك القضايا التواترية وهي التي تسكن إليها النفس سكونا تاما يزول معه الشك لكثرة الشهادات مع إمكانه بحيث يزول الريبة عن وقوع تلك الشهادات على سبيل الاتفاق والتواطؤ وهذا مثل اعتقادنا بوجود مكة ووجود جالينوس وأقليدس وغيرهم . ومن حاول أن يحصر هذه الشهادات في مبلغ عدد فقد أحال فإن ذلك ليس متعلقا بعدد يؤثر النقصان والزيادة فيه ، وإنما المرجوع ، فيه إلى مبلغ يقع معه اليقين فاليقين هو القاضي بتوافي الشهادات لا عدد الشهادات ، وهذه أيضا لا يمكن أن يقنع جاحدها أو يسكت بكلام
--> [ 1 ] قوله « أعنى تكرر المشاهدة ومقارنة القياس » فإنك إذا شاهدت اختلاف تشكل القمر عند اختلاف أوضاعه من الشمس وضممت اليه القياس وهو ان ذلك لو كان اتفاقيا لما كان دائما عرفت أن نوره مستفاد منها والحدس هو تمثل المبادي المرئية للمطلوب في النفس . م